أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
94
العمدة في صناعة الشعر ونقده
باب من فأل الشعر وطيرته تفاءل حسان بن ثابت للنبي صلى اللّه عليه وسلّم بفتح مكة ، فقال في كلمته المشهورة يخاطب بذلك مشركي أهل مكة ، ويتوعدهم « 1 » : [ الوافر ] عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء / ينازعن الأعنّة مصغيات * على أكتافها الأسل الظّماء تظلّ جيادنا متمطّرات * يلطمهنّ بالخمر النساء « 2 » ورأيت من يستحسن « يطلّمهنّ » من طلمت الخبزة إذا نفضت عنها الرماد « 2 » ، فلما كان يوم الفتح أقبل النساء يمسحن وجوه الخيل ، وينفضن عنها الغبار بخمرهن ، فقال قائل : للّه درّ حسان إذ يقول ، وأنشد الأبيات ، وروى قوم أن الناس أمروا بالمسير « 3 » إلى كداء ؛ تفاؤلا بهذا البيت ، ليصح ، فكان الأمر كما قال . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يتفاءل ، ولا يتطيّر ، ويحب الاسم الحسن ، وقال : « ثلاثة لا يسلم منهن أحد : الطيرة ، والظّنّ ، والحسد » قيل له : فما المخرج منهن يا رسول اللّه ؟ قال : « إذا تطيرت فلا ترجع ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا حسدت فلا تبغ » « 4 » . ومن مليح ما وقع في التفاؤل ما حكى محمد بن الجراح « 5 » ، وذلك أن
--> ( 1 ) ديوان حسان 74 ، مع اختلاف يسير . وكداء : موضع الثنية التي في أصلها مقبرة مكة . ( 2 - 2 ) ما بين الرقمين ساقط من ص والمغربية ، وفي م : « . . . يلطمهن من لطمت الخبزة . . . » [ كذا ] . وانظر هامش الديوان . ( 3 ) في ص : « بالمصير » ، وفي م : « بالسير » . ( 4 ) انظر الحديث في محاضرات الأدباء 1 / 144 ، وانظر الجزء الأول من الفقرة في غريب الحديث 1 / 183 وفيه : « وفي الحديث من الفقه استحباب الفأل والتيمن بالاسم الحسن ، « وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يحب الفأل ، ويكره التطير » وفي الهامش قيل : « أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2 / 332 بلفظ الطيرة » . والحديث في نثر الدر 1 / 185 ، وأدب الدنيا والدين 265 وانظر الفقرة كلها في اللسان 4 / 2737 في [ طير ] . ( 5 ) هو محمد بن داود بن الجراح ، يكنى أبا عبد اللّه ، كان من علماء الكتاب ، فاضلا عارفا بأيام الناس ، وأخبار الخلفاء والوزراء ، وله في ذلك مصنفات ، وزر لعبد اللّه بن المعتز في يومى -